المقريزي
107
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
يثاب عليه ، وما كان إلّا من أعظم الذّنوب وأكثرها ضررا ، فإنّه حلّ بالفقراء بلاء كبير من تشتّت شملهم وتعذّر الأماكن عليهم ، فساروا في القرى ، وتبذّلوا بعد الصّيانة ، وفقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن ودراسة العلم وذكر اللّه . ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التّعدّي ، وأشاع أنّ أناسا يبيتون بالجامع ويفعلون فيه منكرات . وكانت العادة قد جرت بمبيت كثير من النّاس في الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم ، منهم من يقصد بمبيته البركة ، ومنهم من لا يجد مكانا يأويه ، ومنهم يستروح بمبيته هناك خصوصا في ليالي الصّيف وليالي شهر رمضان ، فإنّه يمتلئ صحنه وأكثر رواقاته . فلمّا كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادى الآخرة ، طرق الأمير سودون « ( a » الجامع بعد العشاء الآخرة - والوقت صيف - وقبض على جماعة وضربهم في الجامع ، وكان قد جاء معه من الأعوان والغلمان وغوغاء العامّة ومن يريد النّهب جماعة ، فحلّ بمن كان في الجامع أنواع البلاء ، ووقع فيهم النّهب ، فأخذت فرشهم وعمائمهم ، وفتّشت أوساطهم ، وسلبوا ما كان مربوطا عليها من ذهب وفضّة « 1 » . وعمل ثوبا أسود للمنبر وعلمين مزوّقين ، بلغت النّفقة على ذلك خمسة عشر ألف درهم على ما بلغني . فعاجل اللّه الأمير سودون « ( a » ، وقبض عليه السّلطان في شهر رمضان ، وسجنه بدمشق . جامع الحاكم [ أثر رقم 15 ] هذا الجامع بني خارج باب الفتوح - أحد أبواب القاهرة - وأوّل من أسّسه أمير المؤمنين العزيز باللّه نزار بن المعزّ لدين اللّه معدّ ، وخطب فيه وصلّى بالنّاس الجمعة ، ثم أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه . فلمّا وسّع أمير الجيوش بدر الجمالي القاهرة ، وجعل أبوابها حيث هي اليوم ، صار جامع الحاكم داخل القاهرة ، وكان يعرف أوّلا ب « جامع الخطبة » ، ويعرف اليوم
--> ( a بولاق : سودوب . ( 1 ) المقريزي : السلوك 4 : 322 - 324 .